قراءة موضوعية

محرر هذا الكتاب الدكتور عادل عبد العزيز حامد الباحث والمستشار الأكاديمي بالجامعات البريطانية والأمريكية، جاءت مشاركته بعنوان: قراءة موضوعية لحكم الإنقاذ (١٩٨٩ – ٢٠١٩). في نقاط محددة يقدم قراءة موضوعية حول تجربة الإنقاذ في حكم السودان، وهل نجحت في تنفيذ مشروعها الإسلامي وتضع شعاراتها في دنيا الواقع؟.

١/ ترجع أصول الحركة الإسلامية السودانية إلى دولة الخلافة الراشدة، وهي أول حركة سنية تصل إلى الحكم بعد أكثر من سبعة عقود من تكوينها، فضلا عن أن (فتنة السلطة والثروة تصيب كل الناس على مختلف العصور والدهور، كل يتأثر بها حسب وضعه وحسب نصيبه، والحركة الإسلامية لم تكن استثناء من هذا الأمر، فأعضاؤها في نهاية الأمر بشر عاديون تجري عليهم سنن الحياة). إضافة إلى أزمة القيادة، إذ (ظلت الحركة تحت زعامة شخصية كاريزمية قيادية لأكثر من ستة وثلاثين عاماً وعدم صعود قيادات شبابية طيلة هذه الفترة. وهذا الأمر أثر كثيراً في بناء الحركة واستمرارها، ولعل المسؤول الأول في هذا الأمر يرجع للقيادة التاريخية).

٢/ هل المشروع الإسلامي مشروع نظري لا علاقة له بالواقع؟ يطرح الدكتور عادل السؤال ويلتقط إجابة الشيخ حسن الترابي للأستاذ أحمد منصور في مقابلة تم تقديمها عبر شاشة قناة الجزيرة القطرية (إذا كان هذا حقاً لا يعني أن نهمله وأن نلغيه وأن نُحْبِط وأن نستيأس). ويدعم الشيخ الترابي إجابته، (ولذلك أوصيهم جميعا وأكتب كتاباً عن تجربتنا، التجربة تنفعك، اكتب عن تجربتنا بخطئها وعللها ونقصها وعجزها وعن كل شيء). ويختم الشيخ الترابي شهادته (أهم العلل الناس لا يدرون أن من تمكن في السلطة يجنح للطغيان حتى لو كان أخا له ولما قرأنا التاريخ تبينا لنا ذلك، يجب أن تكون هناك حريات واسعة للشعب ويجب أن يكون للحاكم مجلس ليضبطه وقضاء ورأي عام كذلك البقاء في السلطة يصبح فتنة له).

٣/ حول المفارقة بين المبادئ والتطبيق، يعود الدكتور عادل إلى تأكيد (أوضحت سنوات الإنقاذ عبر ثلاثة عقود أن هناك مفارقة واضحة بين المبادئ والتطبيق في مختلف المجالات، فإذا قارنا مبدأ الحريات والشورى، نجد أن الحركة قبل أن تصل إلى السلطة كانت شورية إلى حد ما، وتفعل مجالس الشورى على كل المستويات، ولكنها عندما وصلت السلطة قللت من حجم الشورى والحريات، رغم وجود الهياكل ولكنها لم تكن فاعلة وأصبح الرئيس هو الذي يحدد الأشياء والآخرون ينصتون له ولا يستطيع أحدا أن يعارضه فيما يرى من مسائل). ويضرب مثلا بالنصيحة التي قدمت للرئيس البشير بألا يترشح في انتخابات ٢٠٢٠، كان رد الفعل أن البشير غضب غضباً شديداً ولم يتقبل هذا الأمر، وما سبقه من قرارات سابقة كان الرئيس البشير يأتي بها إلى المجلس القيادي للمؤتمر الوطني الحزب الحاكم لتمريرها دون نقاش أو إبداء رأي، وإنما كان ذلك للعلم أو التنوير، الكلمة العسكرية التي أصبح المدنيون يستعملونها بصورة دائمة).

٤/ يثير الدكتور عادل أزمة الحركة الفكرية والمغالطات حول وجودها الفعلي أو دورها المرجعي المفقود أو المسلوب أو احتكار فئة للقيادة وإستئثارها بالسلطة، وما نتج عنها من ممارسات الفساد المتعددة والمعروفة والتي تحدثت عنها الصحف اليسارية حديثاً كثيراً ومكرراً، ولكن لم تكن هناك محاسبة أو عقوبة. ويشير إلى أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا، أين المحاسبة؟ وأين الرقابة أين العقاب؟ ولماذا السكوت عن هذه الممارسات؟. ويعيد إلى الأذهان مقولة الأستاذ يس عمر الإمام عليه رحمة الله القيادي الإسلامي المعروف والمقرب من الشيخ الترابي (أعتقد أن حركة حماس أحسن، لأنها دخلت السلطة وخرجت منها نظيفة ومتماسكة ولديها مدّ شعبي والحركة الإسلامية السودانية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة، وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التي تحملها للناس).

٥/ ينبه الدكتور عادل إلى أن أكثر الأمور السالبة من حكم الإنقاذ هو (غلبة الأمن على السياسة فقد أصبح دور جهاز الأمن أكبر من الدور المناط به، ولكن أصبح لديه تأثير على رسم السياسات وعلى تعيين المسؤولين وأصبح لديه اعتراض على تعيين بعض الأشخاص لا بحكم المعلومات الأمنية، ولكن بحكم المزاج والرضا على الأشخاص من عدمه، فتجاوز جهاز الأمن دوره وأصبح مهدداً أمنيا في ذاته ولعله في النهاية كان سبباً مباشراً في سقوط الإنقاذ. يضيف إلى ذلك قوله (وقد زاحم جهاز الأمن القطاعات الاقتصادية في كل المجالات، مما أدى إلى خلل كبير في الاقتصاد الكلي للدولة بشركات تعمل في كل المجالات بإعفاءات ضريبة وجمركية، مما أثر سلباً في حركة السوق العام، ولعل أولا من كتب في هذا المجال هو الدكتور عبد الوهاب الأفندي في كتابه، الثورة والإصلاح السياسي في السودان في يناير ١٩٩٥م).

٦/ يلتفت الدكتور عادل إلى تجديد القيادة في الحركة الإسلامية السودانية، مشيرا إلى أن قيادة الحركة التاريخية كانت تسخر من حركة الإخوان في مصر، حيث إنهم ينتخبون المرشد العام ويظل كذلك إلى أن يتوفاه الله. وأدخلت الحركة الإسلامية السودانية في نظامها الأساسي أن فترة الأمين العام فترة قدرها خمس سنوات ويمكن التجديد له لفترات أخرى، وظل الحال هكذا بتجديد مستمر، وفي الفترات الأخيرة دون تجديد. وقد ظلت القيادة التاريخية أكثر من ثلاثة عقود وظل الطاقم المساعد لها لنفس الفترة تقريباً، إلا من بعض الاستثناءات القليلة. وهكذا شابهت عند الدكتور عادل الحركة الإسلامية السودانية حركة الإخوان في مصر، بل يرى أن هذا السبب واحد من الأسباب التي ساهمت في عدم تحقيق الحركة لأهدافها.

٨/ يسرد الدكتور عادل الإشراقات التي يمكن أن تذكر عن فترة الإنقاذ، وهنا يستشهد محرر الكتاب بـ (الدكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى رحمه الله في الفترة من (١٩٩٦ – ٢٠٠٠ ) والذي يعتبر من أنجح وزراء المالية الذين مروا على الوزارة والذي نجح وفريقه العامل في خفض نسبة التضخم والتي بلغت ١٣٣ ٪ في ١٩٩٦ لتصبح ١٤ ٪ في ١٩٩٨ ثم انخفضت بعد ذلك لتصل ٨ ٪ في ٢٠٠٠. وفي نفس العام انخفض عجز الموازنة إلى ١ ٪ مع ملاحظة أن البترول بدأ في تصديره في أواخر ١٩٩٨. ويرجع هذا الأمر لحزمه وعزمه ونزاهته المعروفة وورعه عن الفساد والحرام وشخصيته القوية واستقلاليته في اتخاذ القرارات. ومن أكثر الإجراءات القوية والصارمة هو القرار الذي اتخذه بإلغاء الامتيازات الجمركية والإعفاءات الممنوحة للشركات الحكومية وشركات المنظمات الإسلامية، وكان لذلك أثره الإيجابي على الاقتصاد الكلي للدولة). ويستطرد في إنجازات الإنقاذ الظاهرة في الحكم الاتحادي هو من أهم إنجازات التي قامت بها الإنقاذ الهدف منه إدارة التنوع الثقافي والجهوي السياسي في البلاد ومشاركة المواطنين في الشأن العام وتقليل الظل الإداري وجعل الخدمات الحكومية في بلد واسع ومترامي الأطراف قريبة من المواطنين في حكم أنفسهم بصفة مباشرة. وكذلك الأمر في انتشار التعليم ومحو الأمية وثورة التعليم العالي.

ويختم إنجازات عهد الإنقاذ بحدوث (نهضة نسائية كبيرة وأصبح هناك تمكين للمرأة السودانية ولنضرب مثلاً لذلك فقد كان تمثيل المرأة في البرلمان في ١٩٨٦ ممثلة بعضوين فقط. أما في آخر برلمان للإنقاذ كانت ممثلة بـ ٣٥٪ من عضوية البرلمان).

وتنتهي قراءة الدكتور عادل الموضوعية لتجربة الإنقاذ إلى أن (الإنقاذ وجدت فرصة تاريخية لحكم السودان لفترة تطاولت لثلاثة عقود وكان يمكن أن تقدم نموذجاً إسلامياً رائداً يقتدى به لدى الحركات الإسلامية الأخرى). ومما يحتم على (شباب حركة الإسلام في السودان والعالم أن يتدبروا بعمق في تجربة حكم الإنقاذ في السودان لمعرفة أين الخطأ لتجنبه في المستقبل).


Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *