الجامعات في السودان: من الدعم إلى الانتاج

بقلم: د/ عادل عبد العزيز حامد
adilhamid.uk

المشكلة في الجامعات السودانية اليوم ليست فقط ضعف التمويل، بل أيضًا طريقة التفكير في التمويل. نحن ما زلنا ننظر إلى الجامعة كجهة تنتظر الميزانية أو الدعم الحكومي أو تحاول سد النقص عبر القبول الخاص، بينما السؤال الأهم هو: لماذا لا تصبح الجامعة نفسها منتجة؟

الجامعات في السودان لا ينقصها العلم ولا الخبرات والكوادر المؤهلة تاهيلاً عالياً فقط، بل عندها أساتذة وكفاءات يمكن أن تقدم قيمة حقيقية داخل السودان وخارجه. لذلك أنا أرى أن الوقت قد حان للتفكير في الجامعة كمؤسسة قادرة على توليد دخل يساعدها على دعم مرتبات الأساتذة وتمويل البحوث وتحسين البيئة الأكاديمية.

من هنا أطرح فكرة أراها مهمة جدًا، وهي إنشاء إدارة التمويل والايرادات داخل كل جامعة. وأنا لا أقصد مكتبًا شكليًا، بل جهة عملية يكون شغلها اليومي هو البحث عن نماذج جديدة للتمويل، والاستثمار وليس فقط انتظار المنح أو الميزانية.

هذه الادارة الجديدة يجب أن تكون لها رؤية واضحة بعد أن تدرس إمكانات الجامعة وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ولا يقتصر دورها على مخاطبة المنظمات أو البحث عن دعم خارجي، بل تفكر أيضًا في سؤال بسيط ومهم: كيف تجعل من الجامعة مصدر دخل وإنتاج؟

مثلاً، الجامعات يمكن أن تقدم دورات مهنية قصيرة “أونلاين” لقطاعات مختلفة داخل السودان، ولأسواق أخرى في أفريقيا. عندنا أساتذة يمكن أن يقدموا محتوى في:

  • الإدارة والهندسة والزراعة.
  • الحاسوب وتحليل البيانات.
  • الطاقة والسلامة المهنية.
  • اللغات المهنية المتخصصة.

كذلك، هناك نقطة أراها مهمة جدًا، وهي الاستعانة بالمصادر الخارجية (outsourcing) للبحث والتحليل والدراسات. شركات عالمية كبرى تسند أبحاثها لدول مثل الهند، فلماذا لا تقدم الجامعات السودانية نفسها كجهات قادرة على تنفيذ بحوث تطبيقية ودراسات علمية بتكلفة مناسبة وكفاءة عالية؟

المطلوب هو فتح أبواب جديدة عبر ابتكار نماذج دخل تشمل:

  • دورات قصيرة وأبحاث تطبيقية.
  • خدمات علمية وشراكات مع السوق.
  • التمويل الجماعي من الخريجين بالخارج لمشروعات ذات جدوى.

أنا لا أقول إن هذا سيغني عن دور الدولة، لكني أقول إن الاعتماد على مصدر واحد لم يعد كافيًا. إذا أردنا فعلاً أن ندعم الأستاذ والبحث العلمي، فلا بد أن نفكر بعقلية: “جامعة تدرّس، وتبحث، وتنتج أيضًا”.

وهناك تصور لـ “جامعة اليوم الكامل”، حيث يتم الاستفادة من المباني والقاعات حتى الساعة العاشرة مساءً (بتوفير الطاقة الشمسية)، لتتحول الجامعة إلى خلية نحل منتجة للمعرفة والمال في آن واحد.


في الختام: هذا هو الطريق العملي الذي يستحق أن يبدأ الآن لضمان استدامة التعليم العالي في السودان.


Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *